الرئيسية / ملفات / ملود المرسي – التربية والتنمية: أية علاقة؟

ملود المرسي – التربية والتنمية: أية علاقة؟

تقديم :

يأتي هذا الموضوع انطلاقا من هموم الحاضر و يستهدف مقاربة واقع التربية / التعليم و التنمية في بلادنا و العلاقة بينهما من اجل التحسيس بأهمية هذا القطاع قصد الارتقاء به إلى ما هو أفضل.

فما هي دوافع اختيار الموضوع ؟

– الدافع الاقتصادي: إن قطاع التربية و التعليم في بلادنا يلتهم قسطا كبيرا من الميزانية، و يعتبر ثاني أولوية بعد الوحدة الترابية لبلادنا حيث تمثل الميزانية المخصصة لهذا القطاع %28 من الميزانية العامة 7 % من الناتج الوطني الخام. كما أن هذا القطاع يحظى دائما بأكبر عدد ممكن من المناصب المالية، فقد خصصت له 8000 منصب شغل من أصل 25000 حسب الميزانية العامة لسنة 2013.

كما يعتبر قطاع التربية و التعليم مجالا للاستثمار في الرأسمال البشري، و من القطاعات المساهمة في التنمية الاقتصادية عبر تأهيل اليد العاملة و الأطر الملائمة، ومع ذلك فإن هذا القطاع لا يصل إلى الهدف المنشود الذي يخدم التنمية.

– الدافع الاجتماعي: إن التربية و التعليم هي أداة لتلقين المعارف و المعلومات للمجتمع بكل فئاته بدون استثناء، كما تسهل المؤسسة التعليمية عملية الإدماج الاجتماعي، كما إن التربية المدرسية تؤثر في التطبيع الاجتماعي للتلميذ بصورة إيجابية و تساعده على تكوين شخصيته تكوينا ينسجم و مستجدات التربية الحديثة حتى يتوافق مع ذاته و مجتمعه.

كما يلاحظ أن التربية و التعليم تؤثر على المحيط الاجتماعي الذي تمارس فيه عبر إمكانية تطويره و تغييره، مع العلم أن التربية تستقي أهدافها من المجتمع و هذا دليل على العلاقة التفاعلية بينهما.

– الدافع السياسي: إن قطاع التربية و التعليم يساهم في تكوين المواطن المغربي القادر على الحوار و الإقناع والاقتناع، و يفترض في هذا المواطن الوعي باللحظة التاريخية التي يجد فيها نفسه مرغما على فهم عقلاني للمنظومة العالمية و موقعه داخل هذه المنظومة.

كما أن هذا القطاع هو مرآة تعبر عن السياسة العامة للبلاد و تحدد للنظام مساره، و آماله و صيرورته، كما يتأثر هذا القطاع بالتحولات السياسية مثل تغيير الحكومات.

– الدافع الثقافي: يساهم قطاع التربية و التعليم في تطوير الفكر العلمي، علما إن لكل مجتمع ثقافته و نسقه القيمي الخاص.

و تشكل المقررات الدراسية قنوات لنشر الثقافة أو الإديولوجيا المهيمنة، لكن ما يلاحظ على هذه المقررات هو عدم التداخل فيما بينها و تخارجها مع الأسرة و المدرسة، مع العلم أن المجتمع المغربي يعتبر المدرسة هي وحدها المسئولة عن التربية و التعليم.

بعد تحديد دوافع اختيار الموضوع، أنتقل الآن إلى تحديد إشكاليته، و المتمثلة في: ما هي العلاقة بين التربية و التنمية؟

و قبل الإجابة على هذه الإشكالية نحدد المفاهيم التالية:

مفهوم التربية:

“.إن المعنى الاشتقاقي لكلمة (تربية) في أصلها اللاتيني(educare غذى، أو educere رقى أو قاد إلى) تدل على تغذية الطفل ماديا و معنويا و قيادته نحو النضج، و بالتالي الانتقال به من المستوى البيولوجي إلى المستوى الاجتماعي” و تتم التربية داخل مؤسسة اجتماعية تعليمية و تربوية هي المدرسة، و هي إلزامية في المستوى الأساسي و ضرورية في المستوى الثانوي و لها أهمية في المستوى الجامعي.

والمدرسة مؤسسة حيوية في حياة الأفراد و الجماعات، حيث قال فيكتور هيجوVictor- Hugo “من فتح مدرسة فقد أغلق سجنا. “، مما يعني أنها ترمز لتحرر الإنسان و الإنعتاق من الجهل.

إن التربية تبدأ من الأسرة، الشارع، المسجد و وسائل الإعلام…فهذه الوسائل تكمل العملية التعليمية وتتداخل مع المدرسة بهدف تطوير المجتمع و تحديثه و عصرنته و إحداث الهدف المنشود ألا و هو التنمية.

و التربية تتغير كلما تغير المجتمع، مما يعني أنها ممارسة سلوكية عرفت و جودها مع و جود الحياة الإنسانية ذاتها و مورست بشكل تلقائي منذ العصور التاريخية الأولى، حيث تطورت أساليبها، كما انتقلت من الفرد إلى الاستعانة بعلوم التربية و على رأسها البيداغوجيا التي تستعين بها المدرسة لإحداث عملية التعليم و التعلم داخل الفصل الدراسي، كما أنها أداة للتأمل النظري في الممارسة التربوية.

كما ساهم تطور الحركة العلمية خاصة في منتصف القرن 19 و بداية القرن 20 في هاجس الدقة و الموضوعية في تناول الظواهر الإنسانية ، و لذلك سميت ” بعلم التربية ” و أكثر من هذا انتقل علم التربية من المفرد إلى الاهتمام بمجموع الظاهرة التربوية و هو ما يسمى اليوم بعلوم التربية Sciences de l’ Education التي أصبحت تنظر إلى التربية كظاهرة مركبة، وهي بمثابة ” فعالية إنسانية تتداخل فيها عدة عناصر: ما هو سوسيولوجي و ما هو سيكولوجي و ما هو سيكو سوسيولوجي و ما هو اقتصادي…”.

انطلاقا من هذه الأهمية فإن التربية لها دور كبير في تغيير الأمم و تطويرها و هي وسيلة للتنمية. فما هو إذن مفهوم التنمية ؟

مفهوم التنمية

إن التنمية بصفة عامة لفظ يقابله التخلف مما يعني أنها مرادفة للتحديث و العصرنة.

ظهر مفهوم التنمية أولا في علم الاقتصاد و يعني إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين ، عبر الرفع من حجم الإنتاج الداخلي الإجمالي.

ثم انتقل إلى حقل السياسة في الستينات من القرن العشرين و يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية في اتجاه الديموقراطية عبر تطويرها و المشاركة الواسعة في الحياة السياسية.
كما ظهر مفهوم التنمية الاجتماعية و تعني القضاء على الفقر و تحقيق الاندماج الاجتماعي و تحسين الخدمات الاجتماعية.

و أخيرا ظهر مفهوم التنمية البشرية المستدامة ” التي تجعل من الإنسان منطلقها و غايتها، و تتعامل مع الأبعاد البشرية و الاجتماعية باعتبارها العنصر المهيمن،و تتطرق للطاقات المادية باعتبارها شرطا من شروط تحقيق هذه التنمية دون أن تهمل أهميتها.”(4). و بذلك تم الانتقال من النظر إلى التنمية كمشكل تقني إلى الاهتمام بالإنسان، و قد ظهرت التنمية بهذا المفهوم في أوربا مع الثورة الصناعية التي انتقلت من أنماط تقليدية إلى أنماط عصرية في الفكر و التنظيم الاجتماعي، السياسي و الاقتصادي بقيادة الطبقة البورجوازية، وهو ما تحاول دول الجنوب تحقيقه عبر محاولة اللحاق بمصاف هذه الدول.

بعد أن حددنا دوافع اختيار الموضوع و إشكاليته ثم مفهوم التربية و التنمية و هما ظاهرتان اجتماعيتان مركبتان. لننتقل إلى تحديد العلاقة بينهما.

يحظى قطاع التربية و التعليم بمكانة بارزة في أدبيات التنمية ” فغالبا ما يكون ذلك لا من أجل نشر المعرفة العلمية و تطوير الثقافة و تحديث العقل و الذهنية، بل إنما من أجل ما ينسب للتعليم من دور أساسي في التنمية الاقتصادية( إعداد الأطر، أو الكوادر، البحث العلمي…”

كما أن التربية و التعليم تجدد و تغير رؤية الناس إلى الحياة و تطور علاقاتهم مع بعضهم البعض، و هو ما يسمى بالبعد الثقافي أو التنمية الثقافية و هي ” شرط للتنمية الاقتصادية بقدر ما هي مشروطة بها. وبالتالي فلا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية بدون أن تواكبها منذ البداية تنمية ثقافية…”

و مقابل ذلك تساهم التنمية في رفع المستوى الاقتصادي، الاجتماعي و الثقافي للفرد و المجتمع، و هي الزيادة في الدخل الفردي و الإجمالي عبر تطوير الموارد البشرية و تدريبها للمساهمة في الرفع من الإنتاج الاقتصادي و تخفيض مستوى الفقر.

و عموما فإن محور التربية و التعليم و التنمية هو الإنسان، باعتباره الغاية و الوسيلة الذي تعمل التربية على تطويره ثقافيا و اجتماعيا مما ينعكس على مهاراته و قدراته التي يوظفها في عملية التنمية التي تهدف إلى الرفع من المستوى الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي و السياسي للفرد و المجتمع بهدف تحقيق رفاهيته ، ولكن هل يمكن اعتبار التربية و التعليم كما هي الآن تحقق التنمية؟ و هل يتميز قطاعنا التربوي و التعليمي بالعقلنة و الحداثة، الجواب هو طبعا لا كيف ؟ و لماذا ؟

يقول الأستاذ محمد عابد الجابري ” ..أن الثقافة التي يحملها معهم طلاب العلوم إلى كلياتهم و معاهدهم هي تلك التي تلقوها في البيت و المدرسة الابتدائية و الإعدادية، و المبنية كلها على التلقين و التلقي و الوثوقية، أدركنا السبب الذي يجعل الكليات العلمية و المعاهد المتخصصة التقنية مرتعا للتطرف الديني و ما شابهه. هذا مثال يجسم انفصال العلم عن الثقافة عندنا : العلم في واد و الثقافة في واد آخر.”

كما يشير نفس الأستاذ إلى أن التربية و التعليم في بلادنا تنقسم إما إلى ” تعليم تقني يصنع عقولا قانونية دوغمائية، و إما تعليم ميثولوجي يصنع عقولا راكدة أسطورية، و القاسم المشترك بين هذين النوعين هو غياب السؤال النقدي، سؤال : لماذا و كيف؟ ”

يتضح أن التربية و التعليم في بلادنا ما زالت تعاني من ضعف الفكر النقدي و العلمي رغم المجهودات التي تبذلها الدولة و المبالغ المالية الكبيرة المرصودة لهذا القطاع، و رغم عدد الجامعات و الكليات العلمية و الأدبية و المعاهد التي تغطي مجموع التراب الوطني، مما يعني استمرار التخلف، و بالتالي عدم تحقيق التنمية التي تصبو إليها بلادنا.
تبين أن قطاع التربية و التعليم ما زال متخلفا، و هذا يعني احتلال المغرب رتب متأخرة على مستوى مؤشر التنمية البشرية، و هو ما تعكسه التقارير الدولية الصادرة في هذا الشأن.

يتمثل المؤشر الأول في التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة سنة 2013 و الذي صنف المغرب ضمن الرتبة 130 حسب مؤشر التنمية البشرية من أصل 187 دولة و هو ما يعني أن بلادنا لم تغير موقعها بالمقارنة مع سنة 2012 حيث احتلت نفس الترتيب، مع العلم أن هذا المؤشر الذي و ضعته الأمم المتحد سنة 1990 يقيس مستوى التنمية اعتمادا على ثلاثة عناصر وهي المستوى التعليمي و هو ما له علاقة بموضوعنا إلى جانب المستوى الصحي و الدخل الفردي..

أما المؤشر الثاني فيتمثل في التقرير الصادر عن معهد اليونسكو للإحصاءات الذي قدم صورة سوداوية عن الوضع التعليمي في المغرب سنة 2011، حيث أشار إلى أن المغرب يحتل رتبا متأخرة في أغلب المؤشرات مقارنة مع دول افريقية و عربية، حيث أشار مثلا إلى أن % 10 من الأطفال الذين بلغوا سن التمدرس لم يلتحقوا بالمدرسة سنة 2009، في حين حققت % 100 من التمدرس كل من مالاوي و بوروندي في إفريقيا.

و للتذكير فإن نفس المنظمة أي اليونسكو قد أصدرت تقريرا في سنة 2013 حول التعليم في المغرب و الذي أكدت فيه احتلال المغرب رتب متأخرة سواء تعلق الأمر بعدد التلاميذ المتمدرسين أو نسبة الأمية المرتفعة و عدد الخريجين من مختلف الكليات و المعاهد و نسبة الهدر المدرسي المرتفع ( تزيد من نسبة المرشحين للعودة إلى الأمية) ثم النسبة الضعيفة من الطلبة الحاصلين على البكالوريا.

إن هذه المؤشرات لا تشرف بلادنا، و هي دليل على تخلف تعليمنا، مما يعني عدم تداخل التربية مع التنمية و التنمية مع التربية. فما هو المطلوب لتحديث منظومتنا التربوية و مجتمعنا بصفة عامة لتجاوز التخلف مع ضرورة الوعي به ” إذ كيف نتحرر من التخلف دون فهمه، ليصبح حدثا إيجابيا و محفزا قابلا للتجاوز؟ ”

و السؤال هو لماذا لم تتحرر بلادنا من التخلف رغم الإصلاحات العديدة التي طبقتها منذ الاستقلال إلى الآن في مجال التربية و التعليم ؟ فأين يكمن الخلل؟

يتمثل الخلل أساسا فيما يلي: ” نلاحظ كيف تم استيراد بيداغوجية الأهداف، و كيف تم تشويه الجيل الجديد من بيداغوجية الكفايات و ممارستها على تخصصات و مواد لا تنتمي ابستومولوجيا إلى نفس نظامها الفكري، مما أفرز تشتتا معرفيا للدروس التي لا يدرك المتلقي منها إلا الكم الكبير…”

و هذا يعني أن التعليم قد ركز على استيراد الأهداف و اعتبرها كسلعة إلى جانب الكم المعرفي.

و لتجاوز هذه الاختلالات قام المغرب بعدة إصلاحات في مجال التربية و التعليم، وهو تاريخ الإصلاحات بامتياز منذ الاستقلال إلى الآن كان أخرها ” ميثاق التربية و التكوين “2000- 2010 ثم ” البرنامج الإستعجالي ” 2009- 2012 الذي تم التراجع عنه.

اعتمدت بلادنا طيلة هذه الإصلاحات على الاستيراد، أي استيراد بيداغوجية الأهداف و تارة استيراد الكفايات ،و أخيرا الإدماج التربوي الذي تم التخلي عنه، إلى جانب استيراد الطرق التربوية و أدوات التقويم التربوي، و مع ذلك فشلت في إصلاح نظامنا التعليمي.فما هو المطلوب؟

خاتمة:

إن المنهج العلمي يقتضي دراسة المجتمع دراسة شاملة ( اقتصادية، اجتماعية، سياسية، تاريخية، و ثقافية ) من قبل ذوي الاختصاص وإيلاء العلوم الإنسانية مكانة خاصة في المنظومة التربوية ، و إضفاء النسبية على المناهج المستوردة، مع الأخذ بعين الاعتبار اللحظة التاريخية التي يمر منها مجتمعنا المغربي في علاقته مع المجتمعات المتقدمة حتى نتمكن من المساهمة بدورنا في تأسيس البيداغوجيا، الطرق التربوية، أدوات التقويم التربوي، الوسائل التربوية…..بهدف تحقيق التنمية المستدامة التي تصبو إليها بلادنا بمعناها الشامل.

Melmarssi2012@yahoo.fr

http://www.hespress.com/

عن Fouad

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*