الرئيسية / المستجدات / التنمية / البيئة / نفايات الحيطي والحق في المعلومة

نفايات الحيطي والحق في المعلومة

حينما تفجرت قضية، إن لم نقل فضيحة، نفايات إيطاليا واختارت حكومة بنكيران سياسة النعامة حينما أخفت رأسها في الرمل في انتظار أن تمر العاصفة، وهي الصيغة التي لم تحقق لها الهدف المنشود، كان عمق الإشكال كامنا ليس فقط في هذه النفايات، ولا في «قيمتها» كما قالت ذلك وزيرة البيئة، ولكن عمق الإشكال كان في غياب المعلومة عن الرأي العام؛ فلو أن بنكيران، أو من معه، انتبه إلى خطورة الأمر لكان قد خرج للشرح والتوضيح والتفسير حول هذه النفايات ولاطمأن الناس واقتنعوا بأن الأمر هو طريقة من طرق توفير الطاقة، كما يقول خبراء الوزارة اليوم بعد أن فات الأوان.
لقد ظل الحق في المعلومة واحدا من أحلام المغاربة؛ ولذلك فحينما حملت وثيقة دستور 2011 التنصيص على هذا الحق، استبشر الكثيرون خيرا بهذا المستجد الذي لن يقف عند حدود الإعلامي، بل يمكن أن يمتد إلى المواطن العادي الذي سيكون من حقه الحصول على المعلومة التي تعنيه في كل المجالات.
غير أن الطريقة التي دبرت بها حكومة السيد بنكيران هذا الملف هي التي أثارت الكثير من الجدل، بعد أن أعلنت العديد من المنظمات غير الحكومية رفضها لصيغة مشروع القانون والمنهجية التي تم إعدادها به، إذ اتهمت الحكومة بنهجها مسارا انفراديا في تحضير القانون الذي تمت المصادقة عليه من طرف مجلس الحكومة. كما شملت الصيغة الجديدة استثناءات عديدة لمجالات لا تخضع لقانون الحق في المعلومة من قبيل الدفاع الوطني، وأمن الدولة الداخلي والخارجي، والحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور أو المجال المتعلق بالعلاقات مع دول أخرى والتي يمكن أن يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق ضرر بالعلاقة بها.
وسجلت العديد من المنظمات المهتمة أن حق الحصول على المعلومات عرف عدة تراجعات جوهرية طبعت محتوى مشروع القانون في صيغته الجديدة والأخيرة. وهي التراجعات التي مست أغلب أبواب المشروع، خصوصا في ما يخص المقتضيات المتعلقة بتدقيق الاستثناءات والحذف الكلي للمقتضيات المتعلقة بلجنة ضمان الحق في الوصول إلى المعلومة، وتحويل الجزء المتبقي من اختصاصاتها إلى مؤسسة الوسيط، مع إدخال مقتضيات مجحفة تضع قيودا على طالب المعلومات العمومية، فضلا عن حذفها للمقتضيات الزجرية المحدودة إزاء المخالفين المكلفين بإعطاء المعلومة المطلوبة.
واعتبر المتتبعون أن هذا القانون غير منسجم مع منطوق وروح الدستور المغربي، ولا مع منطوق وروح الاتفاقيات والمعاهدات والمعايير الدولية ذات الصلة؛ كما دعوا إلى تصحيح الوضع التشريعي الذي يخص أحد القوانين الأساسية والمهيكلة المؤثرة في المسار الديمقراطي في البلاد، خصوصا وأن تحضير مشروع القانون تم بطريقة انفرادية مطلقة وأحيط بتكتم شديد دون أخذ بعين الاعتبار لملاحظات واقتراحات مكونات المجتمع المدني المغربي التي أعطت رأيها في المسودة الأولى من نص القانون والتي كانت قد نشرت على موقع الأمانة العامة للحكومة.
لقد وضعنا هذا المشروع أمام سؤال الشفافية وبناء الديمقراطية ومجتمع المعرفة ومحاربة الفساد والاستبداد، ومحاصرة الاحتكار وإيقاف إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية؛ لذلك كانت بعض المنظمات قد تساءلت: ألا يكون هذا التخبط الذي مس الحق في المعلومة جزءا من التراجع العام للدولة بصدد احترام الحقوق والحريات؟
لا يخفي الحقوقيون أن قانون الحق في المعلومة، والذي حمله دستور 2011، كان بمثابة بارقة الأمل بشأن جملة من القضايا التي تراهن على المزيد من الشفافية؛ لذلك ظلت الأصوات تنادي بضرورة إخراجه بسرعة. غير أن الصيغة التي اعتمدتها الحكومة في التعاطي مع هذا الملف، خصوصا ما يتعلق بالانفرادية في وضع تفاصيله، جعل الكثيرين يرون في ذلك بداية لاستمرار الوضع كما كان عليه من قبل، فالكثير من المقتضيات التي كانت فلسفة وضع قانون للحق في المعلومة هي التي حركتها، تم القفز عليها مع مقتضيات مشروع القانون، لذلك عشنا نتائج غياب هذه المعلومة مع نفايات إيطاليا- التي خلفت كل هذا الجدل إلى درجة أن البعض اعتبر انفجارها كان بهدف ضرب حكومة بنكيران ونحن على بعد أشهر من تشريعيات أكتوبر القادم، حيث لم تتحرك الوزيرة ولا الحكومة إلا بعد أن أصبحت القضية تملأ كل صفحات التواصل الاجتماعي.
بقي فقط أن نعلن عن «تضامننا اللامشروط» مع الوزيرة الحيطي بشأن هذه القضية وهي تتحدث عن مغرب النفايات التي توجد في كل مكان!! الأمر صحيح، حيث جل جماعاتنا المحلية هي اليوم بدون مطارح للنفايات!! ومدننا، بما فيها الكبيرة، «تتعايش» مع نفاياتها التي ترمى في كل مكان!! فقط يمكن أن نختلف حول طبيعة النفايات التي استوردتها السيدة الحيطي، فالذي لا تعرفه الوزيرة هو أن المغاربة استأنسوا بنفاياتهم؛ وقد تشكل لهم نفايات إيطاليا مشاكل صحية غير متوقعة، لذلك انتفضوا في وجهها.

عن Fouad

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*