الرئيسية / الترافع / بالتحليل والأرقام .. لهذا ترفض الحركة النسائية مشروع هيئة المناصفة الذي أعدته حكومة بنكيران

بالتحليل والأرقام .. لهذا ترفض الحركة النسائية مشروع هيئة المناصفة الذي أعدته حكومة بنكيران

المقتضيات الواردة في المشروع لا تستجيب لمعايير توفير الحماية من التمييز المبني على الجنس :
– لم يرد تعريف التمييز ولم تحدد ولاية (وظيفة) الهيئة
لا تتوفر الهيئة على اختصاصات تمكنها من التدخل التلقائي عند وقوفها على حالات التمييز : القدرة على التحري والمتابعة و الزجر بالنسبة للعقوبات غير السالبة للحريات … ( اختصاصات شبه قضائية ).
لا تتوفر الهيئة من حيث التركيبة والتعيين على شروط تمكنها من إستقلالية القرار.

ليس لها امتداد ترابي يمكنها من المتابعة والعمل عن قرب لحماية الحقوق الإنسانية للنساء والنهوض بها.

* ماهي دوافع الحركة النسوية للمطالبة بدسترة هذه الآلية:

لقد وقفت الحركة النسوية المغربية في مسارها النضالي من أجل إقرار الحقوق الانسانية للنساء في المغرب في كل المعارك المتعلقة بتغيير الترسانة التشريعية التمييزية التي تضع النساء في المرتبة الثانية على صعوبات و عراقيل عديدة، من ضمنها ضعف كسب دعم الحلفاء السياسيين المفترضين وخاصة الحزبيين بسبب سيادة وتجدر الثقافة الذكورية التي تعتبر مسألة المساواة بين النساء والرجال ثانوية، وكذلك دوافع الخضوع « للاكراهات » الانتخابية والذي تذهب لدى بعض الأحزاب إلى حد التماهي مع الثقافة الذكورية لإستمالة الكتلة الناخبة، وخاصة بعد تنامي واستقواء تيارات الإسلام السياسي الطامعة في الاستيلاء على السلطة، بل أصبحت هذه التيارات الإسلامية تشكل طرفا يتم إدخاله في المعادلة الحسابية لتكوين التحالفات للوصول إلى السلطة بغض النظر عن الاختلاف الايديولوجي و السياسي .

إن طبيعة السياق السياسي الراهن المتميز بصعود حركات الإسلام السياسي التي تعتمد في إيديولوجيتها على تأويلات للدين الإسلامي خارجة عن السياق التاريخي بهدف شرعنة التمييز والكراهية والتحكم، والتي تضفي طابع القداسة على المرتبة الدونية للنساء، شكل عرقلة حقيقية للتسريع بتغيير القوانين المجحفة في حق النساء ولوضع تشريعات وقوانين وتدابير سياسية لتمكينهن من حقوقهن السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وبدون تمييز بسبب الجنس.
وهكذا وجدت الحركة الحقوقية النسائية نفسها تواجه مقاومة للتغيير تأخد طابع الدفاع عن « الإسلام » بحيث تلجؤ هذه الحركات للتحريض على مناهضة مطلب المساواة في الحقوق بين النساء والرجال باعتباره حسب وصفها، قيمة غربية ومؤامرة تهدد الإسلام، وبهذا تضفي على القوانين التمييزية التي هي أصلا من صنع الإنسان قدسية إلاهية، ويصبح التمييز والعنف ضد النساء خصوصية ! في حين أن التاريخ والواقع يوضح أن النساء في جل المجتمعات يعانين العنف و التمييز بسبب الجنس، و إن بدرجات مختلفة، وليس فقط في البلدان « الإسلامية »، لأن المشترك ما بين هذه المجتمعات في حقيقة الأمر، هو استمرار ثقافة وعلاقات اجتماعية بطريركية مبنية على سيادة السلطة الذكورية والموروثة تاريخيا.

* هذا ما دفع بالحركة الحقوقية النسائية للنضال والترافع لكي تصبح قضايا المساواة و المناصفة رهانا و خيارا استراتيجيا للدولة بدونه لن تستقيم لا ديمقراطية ولا تنمية وكل الدراسات الوطنية والدولية، أوضحت تكلفة العنف والتمييز على الاقتصاد الوطني و و أثاره المدمرة على النساء وعلى الأطفال وعلى الاسرة وعلى المجتمع بكامله الذي ينجر للحفاظ على الاستبداد بسبب الجنس.

في هذا الإطار خاضت الحركة الحقوقية النسائية حملة ترافعية أمام الأحزاب السياسية والنقابات وباقي فعاليات المجتمع المدني، أمام أعضاء اللجنة الملكية المكلفة بتعديل الدستور بعد الخطاب الملكي لـ 9 مارس سنة 2011، وتقدمت عدد من الجمعيات و التنسيقيات النسوية … بمذكرات مطلبية تلتقي كلها في هدف جعل المساواة بين النساء والرجال خيارا استراتيجيا وسياديا للدولة ورهانا لرفع تحدي الديمقراطية و التنمية، ولهذا الغرض طالبت بدسترة المناصفة والمساواة بين النساء والرجال في كافة الحقوق وحضر التمييز ووضع آلية دستورية مستقلة بعيدة عن الصراع الأيديولوجي والسياسي من أجل الحماية و النهوض بالحقوق الانسانية للنساء .

فوزية عسولي

* إن المشروع الحكومي يعتبر تراجعا وانتهاكا للدستور
لكن مع الأسف، مشروع هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز كما جاءت به الحكومة، بتعمده الغموض في التعريف وفي تحديد الوظيفة وفي تقليص صلاحيات الهيئة، وعدم توفير شروط إستقلاليتها، يعد تراجعا عن مكتسبات دستورية ويدفعنا لطرح من جديد مسألة عدم وجود الإرادة السياسية لدى الحكومة للقضاء على التمييز المبني على النوع الاجتماعي، بل يجعلنا نقف على وجود نية لدى بعض الأطراف لجعل قضية نصف المجتمع رهينة للصراعات الأيديولوجية وللحسابات السياسوية .
فالمشروع على شاكلته لن يمكن الهيأة من القيام بمهام الحماية ومكافحة كل أشكال التمييز المتجدرة في الثقافة وفي السلوك لدى كل الشرائح والفئات الاجتماعية والمهنية بما فيها القضاء الساهر على العدل والإنصاف (قضية اعتقال و محاكمة فتاتي انزكان بسبب اللباس، العدد المهول لزواج القاصرات …) ، وكذلك بعض السلوكات و التصريحات لبعض أعضاء الحكومة والبرلمان (التصريحات العديدة لرئيس الحكومة المهينة لكرامة النساء، وما صدر عن وزير التربية والتعليم السابق قبل التعديل الحكومي في حق تلميذة أثناء زيارته لأحد المدارس بمراكش ……) ولا تستنى السلطات الساهرة على الأمن من ممارسات تمييزية تستهدف النساء ، و اسرد في هذا الباب حادثتين وقعت مؤخرا، وشغلت الرأي العام.

الحادث الذي أصبح معروفا « بقايد الدورة » والثاني وقع » لمي فتيحة » التي فقدت حياتها بسبب الحكرة المزدوجة من طرف القايد.

هذه فقط أمثلة تعكس بعض مظاهر التمييز المباشر لكن الخطير هو استمرار اعتماد سياسات وتدابير في ظاهرها حيادية، لكن في تأثيراتها تعمل على المحافظة على التمييز واستدامته لأنها لا تأخد بعين الاعتبار الهوة والفارق بين النساء والرجال في الولوج إلى كافة الحقوق، ونذكر في هذا الخصوص بما جاء في تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي : »فإن مقاربة النوع الاجتماعي تغيب عند إعداد السياسات العمومية، ولا تؤخذ بعين الاعتبار إلا على هامش بعض البرامج الخاصة، وليس في إطار وضع سياسة عامة ومندمجة للتشغيل. »

بعض مؤشرات التمييز و العنف ضد النساء

و للمزيد من التوضيح نذكر بعض المؤشرات الدولية والوطنية التي جاءت في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي و في آخر الإحصاء العام للسكان لسنة 2014، والذي قامت به المندوبية السامية للتخطيط :
دوليا يحتلّ المغرب المرتبة 133 من أصل 142 بلداً في التفاوت بين الجنسيْن، في سنة 2014،
يحتلُّ المرتبة 24 من أصل 30 ، فيما يتعلّق بسياساتِ وآلياتِ دَعْمِ ومُواكبة المقاولات النسائية ذات الإمكانات القويّة،
يصنف المغرب ضمْن البلدانِ التي لها ثقافة محافظة من حيث قبول الدّور السوسيو- اقتصادي الذي تلعبُهُ النساءُ في المجتمع.
يشهد نشاط النساء على الصعيد الوطني تراجعا متزايدا منذ سنة 1999. حيث انخفض ب5,7 نقطةً في الفترة ما بيْن سنتيْ 1999 و2012. وهي نسبة نشاط منخفضة ثلاث مرّات بالقياسِ إلى نسبة الرجال. وخاصة في الوَسَط الحَضري 17,5%)
بلغتْ نسبة عَمَلِ النّساء بالمَغْرب 22،7 بالمائة، مقابل 66،4 بالمائة بالنسبة للذكور، سنة 2013 ، ثلاثة أرباع من النساء العاملات يشتغلْن كعاملات أو مستخدمات، ومعظمهنّ من المساعِدات المنزليات (73،6 % )
ما يقارب %16,2 من الأسر المغربية (1.181.585 أسرة) تسيرها نساء و تعيش وضعية هشاشة
يهمّ التشغيل المُبكّر (قبل 15 سنة) 73،2 بالمائة من النساء النشيطات القروّيات مقابل 59,8 بالمائة من الرّجال في العالم القرويّ. مما يعني حرمان الفتيات البالغات أقلّ من 15 سنة من حقهن في التمدرس و التكوين ،
نسبة الأمية في صفوف النساء (41,9%) مقارنة مع الرجال (22,1%).
نسبة البطالة 28,3 % في صفوف النساء مقابل %12,2 لدى الرجال.
نسبة الفتيات القاصرات تشكل (82,4%) من مجموع الأشخاص المتزوجون دون سن 18 سنة.
وفي مجال التغطية الصحيّة، معظم النساء النشيطات العاملات في الوسط القروي (98,8%) ، وما يربو على النّصف في الوسَط الحضري (53,3%) لا يتوفّرن على أي تغطية طبيّة.
في مجال التأمين عن المرض، تصل النسبة إلى 18،5 بالمائة للذكور، مقابل 8،5 بالمائة للإناث.
ضعف مشاركة النساء في مصادر صنع القرار حيث لا تتعدى نسبة المسؤولات في القطاع العام 16٪ بالرغم من أنهن يشكلن نسبة 40 بالمائة من الموظفين
ضعف تمثيليّة النساءِ في هيئات الحَكامة داخل المُقاولات ، بحيْث لا يمثّلن سوى 7 بالمائة من نسبة مديري أكبر المقاولات العمومية، و11 بالمائة منْ مديري الشركات المشهورة.
إن مؤشرات التمييز عديدة و تهم كل المجالات والمؤسسات والقطاعات بما فيها النقابية والحزبية وغيرها ونضيف إليها أخرى تتعلق بالعنف ضد النساء والتي برهنت كل الدراسات والاتفاقيات الدولية ارتباط العنف بالتمييز المبني على الجنس، فأغلب حالات العنف تستهدف النساء لأنهن نساء، بل يعتبر التمييز في حد ذاته عنفا ضد النساء، لهذا تحث عدد من التوصيات والاتفاقيات الدولية على محاربة التمييز للوقاية من العنف ضد النساء .

وهذه بعض الأرقام الخاصة بالعنف المبني على الجنس
استقبلت شبكة مراكز الرابطة إنجاد ضد عنف النوع من 2011 الى 2015 أزيد من 16000 امرأة ضحية عنف وسجلت 36223 اعتداء منها حالات وصلت إلى القتل أو الانتحار بسبب العنف واليأس وغياب آليات الوقاية والحماية والوصول إلى العدالة
و حسب دراسة المندوبية السامية للتخطيط، فإن 62,8% من النساء يتعرضن للعنف، وفقط 3% من قضايا العنف الزوجي تصل إلى القضاء و 1,3% تتم فيها المتابعة

حول انتشار ظاهرة العنف ضد النساء

لكل هذه الأسباب، تصبح مسألة إدخال تعديلات على مشروع القانون 79-14 ضرورة ومسؤولية للمشرع، لكي تتوفر الضمانات لإخراج هيئة للمناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز كآلية دستورية مستقلة قادرة على المساهمة في رفع تحدي تأهيل المجتمع في مجال المساواة و المناصفة لربح رهان الديمقراطية و التنمية .

http://www.febrayer.com/

عن Fouad

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*