الرئيسية / المستجدات / التنمية / الإجهاض والتطور

الإجهاض والتطور

هل حقّاً الطريق إلى الصحة وتحقيق الذات بالنسبة للشابات والنساء يمر عبر تشريع الإجهاض؟ الجواب واضح. يعتقد البعض أن للمرأة الحق في التصرف في جسدها. بينما يعتقد البعض الآخر بحق، أن جوهر الكائن البشري يكمن في القواعد التي تسمح له بالعيش في مجتمع. عدم التقيد بهذه القواعد يعطل العقل الذي يميزنا عن الحيوانات. ولكن شعور القوة الناتج عن استقلاليتنا يعمي أعيننا. للإشارة، حتى الحيوانات لديها قواعد تنظم حياتها…

ظهرت في السنوات الأخيرة جماعات ضغط مجتمعية تعمل من أجل تشريع الإجهاض في المغرب، الأرض المتشبعة بالإسلام. ولكن الجهات الفاعلة في هذه المناورات تطالب، محقة، المواطن المغربي العادي والبرلمان المغربي بوضع حد للنفاق. الأرقام واضحة، عمليات الإجهاض غير القانونية أمر واقع، والأسوأ من هذا أنها كثيرة جداً. لهذا ولكي يتوقف الناس عن القيام بهذه العمليات في الظلام مع كل الأضرار التي تحملها على الصحة البدنية والنفسية للمرأة، فمن الأفضل أن تتم عمليات الإجهاض في واضحة النهار تأسياً بالدول “المتقدمة” وبعض البلدان الإسلامية “التقدمية”، مثل وتونس وتركيا، واللتان تساقان عموماً كأمثلة.

في هذه الأجواء ولدت جمعية أطلقت على نفسها، بحق، اسم “الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري”، وسرعان ما، بقدرة قادر، فُتِّحت لها الأبواب: مكتبة المملكة المغربية، “الجمعيات الفكرية” وسائل الإعلام، … ناهيك عما يسمى جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات النسائية. حتى الإسلاميون المعتدلون من حزب العدالة والتنمية، وقبل أن يُمنحوا بعض المناصب الوزارية، وجهوا الدعوة لرئيس الجمعية لتقديم وجهة نظره في البرلمان. كان الهدف المعلن لهؤلاء الأشخاص هو الدفاع عن النساء وتجنيبهم الموت والإعاقات الناتجة عن عمليات الإجهاض غير القانونية.

أصبحت هذه المسألة أولوية بالنسبة لوزير الصحة الحالي بعد خروج زميلته من نفس الحزب (الشيوعي البرجوازي!) التي كانت تشغل منصب وزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، والتي كانت قد عملت مسبقاً على إعداد الرأي العام حول هذا الموضوع. جدول الأعمال جاهز، لم يبق إلا صقل كيفية تمرير المشروع في مجتمع مسلم. صحيح أنه تم إفراغ الإسلام من محتواه إلا أنه بقي هنا وهناك من يرفض هذا النوع من “الحداثة” ولا يزال متشبثاً بالنصوص القرآنية.

في البلدين الإسلاميين اللذين يضربان عادة كمثال، تم تمرير القوانين بالقوة، سواء في تركيا أتاتورك أو في تونس بورقيبة. لن يكون الأمر ممكناً في بلد أمير المؤمنين الذي يستمد شرعيته من هذه “العلاقة اللصيقة” بالإسلام. لذلك عليهم أن يجدوا سبيلاً أخرى لا تصطدم مع الذاكرة الجماعية المغربية، وحبذا لو يستطيعون أن يحولوا تقنين الإجهاض إلى مطلب شعبي. إنها التقنية الشهيرة المعروفة بـ”القوة الناعمة” التي استعملت أكثر من مرة في المغرب ولاقت نجاحاً ملحوظاً.

في البداية، تحدثوا عن هذا الرقم المخيف: 700 إلى 1،000 عمليات إجهاض تُجرى يومياً في المغرب، وبما أن الجميع يعرف ماذا يجري، فإنه يجب علينا وقف النفاق والاعتراف بهذه الظاهرة علناً وتقنينها. والسؤال هو: الكل يعلم أن هناك ظواهر فاسدة أخرى منتشرة على نطاق واسع أيضاً في مجتمعنا مثل الفساد الإداري والدعارة، بل والاعتداءات الجنسية على الأطفال، … فهل مجرد انتشارها يعطينا مبرراً لتقنينها؟؟ النقطة الثانية هي أن لا قانونية الإجهاض تجعله يمارس في ظروف سيئة، بينما تقنينه سيجعله يمارس في ظروف صحية آمنة وفي مستشفيات القطاع العمومي. إن تقديم حجة الإجهاض المجاني في القطاع العام ليس إلا وهماً، لسبب بسيط هو قلة الأطباء المتخصصين. إن الظن أنه بالإمكان أن تجد أطباء “شجعان” يستطيعون إجراء عمليات الإجهاض بكل أريحية ينم عن جهل بالأعراف الطبية السائدة بين الأطباء المغاربة.

سواء تم تشريع الإجهاض أم لا، ستستمر النساء الضحايا في الإقدام على الإجهاض للتخلص من هذا العار المجتمعي والوقوع فرائس للمصحات المتخصصة في مثل هذه العمليات. هؤلاء الضحايا هن نتيجة لمجتمع منفصم يفقد يوماً بعد يوم مرجعيته وأصوله وقيمه قرابين على مذبح تطور شكلي وتسليع للمرأة.

معظم الفتيات اللواتي يتم الاعتداء عليهن جنسيا هن من العاملات اللواتي يتم استغلالهن مرتين: من قبل رؤسائهن في العمل ومن قبل آبائهن، أو من الخادمات اللواتي يعملن عند نساء، يعتبرن أنفسهن من المتحررات، في ظروف أشبه بالعبودية في ثوب حديث. إن كنا ندعي أننا من أنصار الإجهاض، فمن العار أن نشارك في إيجاد الظروف التي تشجع على إيجاد حالات الحمل غير المرغوب فيه وما يسبقها من علاقات غير شرعية متحررة حيث تكون المرأة غالبا هي الضحية. الرجال المغاربة كما نظراؤهم في جميع أنحاء العالم يعرفون جيداً القاعدة: الجميع يحب الفتيات سهلة المنال، ولكن حين يتعلق الأمر بالزواج فإن الاختيار يقع على الفتيات العاقلات. ولهذا ليس عبثاً أن النساء أصبحن يغطين رؤوسهن ويقمن بعمليات رتق غشاء البكارة كجزء من خطة “السمعة الحسنة” وهي شرط ضروري على الشابات التحلي بها إن أردن العثور على زوج في هذه الأيام الصعبة.

دعاة الإجهاض لن يفصحوا عن نواياهم بشكل واضح، ولكن سوف يستخدمون الحيلة كما صنعوا في فرنسا، حالات تصدم الجمهور وتكسب تعاطف المواطنين. في فرنسا، في عام 1974، استدعى الأمر إجراء محاكمة تحت أضواء الإعلام الساطعة لفتاة تبلغ من العمر 16 سنة، أقدمت على الإجهاض بعد أن تعرضت للاغتصاب. انتهت القضية بالإفراج عن الفتاة وتبرئة الطبيب، ثم استغلت الحادثة كمبرر لاعتماد قانون في يناير 1975 يجيز الإجهاض (سمي باسم صاحبته سيمون فيل وزيرة الصحة آنذاك). كان القانون في حد ذاته ثورة، إذ تم تبنيه من طرف حكومة يمينية في دولة ذات أعراف مسيحية.

في المغرب، لن يجدوا وقتا أفضل لتمرير هذا التشريع. حكومة الإسلاميين المعتدلين المسكونة بمسألة تحسين صورتها لدى الغرب. القانون الجاري إعداده يُعنى بالإجهاض بعد الاغتصاب أو زنا المحارم أو حالات التشوهات الجنينية، وهذه كلها حالات تدغدغ الرأي العام بل وحتى بعض العلماء المتفيقهين. أما إن أضفنا مسحة الأذى النفسي للنساء فإن الطريق يصبح مفتوحاً على مصراعيه. حينها يمكنهم العثور بسهولة على “علماء” سيجتهدون ويخرجون لنا حديث نفخ الروح في الجنين (42 يوما أو 120 يوما) متجاهلين الآيات القرآنية التي تتحدث عن خلق الإنسان من نطفة (خلية تمتلك كل المخزون الجيني)، وهكذا يبلغون مرادهم.

هؤلاء “العلماء” الذين يدعون الانتساب إلى المذهب المالكي، خالفوا المذهب حين وافقوا على إلغاء شرط موافقة ولي الأمر في زواج المرأة (في مدونة المرأة) معرضين بذلك الأسس التي تقوم عليها الأسرة للخطر. من المؤكد أنهم سينسون ما ينص عليه الإمام مالك وغيره، من أن النطفة الأمشاج (الناتجة عن اجتماع الحيوان المنوي والبويضة) مقدسة، وأنه يجب احترامها. بقية العلماء الذين يخالفونهم الرأي ولكنهم يفضلون التزام الصمت خوفاً أو جهلاً أو إهمالاً، وجودهم كعدمه. لا فائدة للمصباح إن لم يشع بنوره. بل يا ليته لم يوجد أصلاً، لأن وجوده، وإن كان دون فائدة، إلا أنه يحول بين السذج من ضعاف البصر وبين أن يلتمسوا الضوء من مصدر آخر.

منذ أكثر من عشرين عاماً وأنا أمارس مهنتي كطبيب نسائي في العالم سواء في فرنسا أو المغرب (حيث مارست لسنوات) أو في بلدان أخرى مختلفة، لم أر قط امرأة تشعر بالراحة بعد إقدامها على الإجهاض. صحيح أنه عندما يكون الحمل غير مرغوب فيه فإن المرأة تسعى للتخلص منه، لكنها تحتفظ بندوب غائرة لا تمحى من جراء هذا الاعتداء. الرجل بنذالته المعهودة، والذي لا يرى في جسد المرأة إلا موضعاً للشهوة، غالبا ما يتخلى عن المرأة في تلك اللحظات المؤلمة. إن لم يختف نهائياً، فإنه سوف يعمل على إفهام المرأة أنه مستعد للتكفل بالمصاريف كما لو أن ذلك كافٍ لإصلاح الأضرار.

في الطب، لا يمكننا أن نعالج إن لم نكن نعرف أصل الداء. أولئك الذين يرغبون في معالجة مشاكل الإجهاض غير القانونية بموجب قانون، لا ينظرون إلى المجتمع إلا بعين واحدة. عميان أو متعامون، لا يرون معاناة المرأة المغربية من شتى المشارب، وكيف تدفعهن هذه المعاناة إلى الزنا والدعارة. المجتمع يشهد في حالة عجز تام، تنامي جرائم الاغتصاب، تأخر سن الزواج وشيوع الفساد. كل هذا لا يهم سدنة معبد رأس المال. بل أكثر من ذلك، كلما “تحرر” المجتمع، كلما راج المال وكلما استفاد أصحاب رؤوس الأموال: إنه التطور والتحرر.

قادة هذا المشروع وأتباعهم، ينفذون عن وعي أو عن جهل، أجندة رأسمالية مدمرة للمجتمع المغربي. من الإجرام أن ندعهم وما يدبرون دون أن نحذر الأغلبية الساذجة. إعطاؤهم المبررات الدينية هو عملية احتيال سيسأل عنها أصحابها أمام الله وأمام الناس.

بالنسبة للملحدين، أو من يجهلون النصوص القرآنية أو من لا يعنيهم الأمر، أود أن أقول لهم فقط: أنتم أحرار في فعل ما تريدون، لديكم الإمكانيات المادية للوصول إلى ملذات الجسد والعناية بأنفسكم في حال حدوث مشاكل. ولكن لا تكونوا دعاة على أبواب جهنم، تقذفون أمة مسلمة مؤمنة بالله فيها. صحيح أن المجتمع قد انحرف، وأن النفاق مستشرٍ فيه، وأنه يتصرف أحياناً بانفصام، لكنه لا يزال في أعماقه مؤمناً.

إن كنا نرى أن بعض حالات الحمل الناتجة عن زنا المحارم أو الاغتصاب، لم يكن ينبغي لها أن تحدث، فهذا يعني أن الله عز وجل قد أخطأ حين سمح للبويضة أن تتطور حتى تتحول إلى جنين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!! أي شخص يفكر بهذه الطريقة لديه مشكلة في فهمه للعقيدة الإسلامية.

الرغبة الصادقة في إنقاذ النساء تتجلى في إيجاد حلول عملية لوقوعهن في براثن العبودية الحديثة، لتسليعهن وعوزهن. تقنين الإجهاض هو رسالة مبطنة للضعيفات منهن اللواتي يقدمن أجسادهن بمحض إرادتهن، أو تحت التهديد أو طمعاً في مقابل مادي أن الأمر ليس بهذه الخطورة، فبإمكانكن الإجهاض إن حملتن. إنها خطوة أخرى نحو الحط من قدر النساء، ولكن كما هو الحال دائماً، مغلفة بستار من حسن النوايا !!

زهير لهنا
http://www.hespress.com

عن ratiba

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*